صديق الحسيني القنوجي البخاري
440
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل ينفى ، وأبعد من قال إنه يقتل إلا إذا كان يتعمد ذلك ويتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل . ثم قال يعقوب لأولاده وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي لا أدفع عنكم ضررا ولا أجلب إليكم نفعا بتدبيري هذا بل ما قضاه اللّه عليكم فهو واقع لا محالة قال الزجاج وابن الأنباري : لو سبق في علم اللّه أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم . وقال آخرون : ما كان يغني عنهم يعقوب شيئا قط حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم ، قال أبو السعود : ولم يرد عليه السلام الغاء الحذر بالمرة ، كيف لا وقد قال تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] وقال تعالى خُذُوا حِذْرَكُمْ [ النساء : 71 ] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل هو تدبير في الجملة ، وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير ، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانة باللّه وهرب منه إليه . ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا للّه سبحانه فقال إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وحده لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك عَلَيْهِ لا على غيره تَوَكَّلْتُ أي اعتمدت ووثقت في كل إيراد وإصدار وَعَلَيْهِ لا على غيره فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ على العموم ويدخل فيه أولاده دخولا أوليا . وَلَمَّا دَخَلُوا المدينة مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي من الأبواب المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد ، وجواب لما ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ذلك الدخول أو رأي يعقوب وأتباعهم له مِنَ اللَّهِ أي من جهته مِنْ شَيْءٍ من الأشياء مما قدره اللّه عليهم ، أي الذي أراد وقوعه فقد نسبوا للسرقة وأخذ منهم بنيامين ، وتضاعفت المصيبة على يعقوب لأن الحذر لا يدفع القدر . والاستثناء بقوله إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها منقطع ، والمعنى ولكن حاجة كانت في نفسه وهي شفقته عليهم ومحبته لسلامتهم أظهرها يعقوب لهم ووصاهم بها غير معتقد أن للتدبير الذي دبره لهم تأثيرا في دفع ما قضاه اللّه عليهم ، وقيل إنه خطر ببال يعقوب أن الملك إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة وسيما الشجاعة أوقع بهم حسدا وحقدا وخوفا منهم فأمرهم بالتفرق لهذه العلة . وقد اختار هذا النحاس وقال لا معنى للعين هنا ؛ وفيه أن هذا لو كان السبب لأمرهم بالتفرق لم يخص النهي عن ذلك بالاجتماع عند الدخول من باب واحد لأن هذا الحسد أو الخوف يحصل باجتماعهم داخل المدينة كما يحصل باجتماعهم عند الدخول من باب واحد ، وقيل إن الفاعل في قضاها ضمير يعود إلى الدخول لا إلى